محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
162
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
في ذلك ، فإنا نقول : إنَّه يسَمَّى فاسقاً في وقت النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وفي الوقت المتأخر لكنِ التسميتان مفترقتانِ فالمتقدمة في زمانه عليه السلامُ لغوية غيرُ سابقة إلى الأفهام إلا بقرينةٍ ، والتسميةُ المتأخرة في زماننا عُرفية سابقة من غير قرينة ، وهذا شيء لم ينصَّ أهلُ البيت على خلافه . فإن قلتَ : فقد ورد في القرآن الفسقُ لغيرِ الكفر في مثل قوله تعالى : { بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَان } [ الحجرات : 11 ] وقوله : { وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَان } [ الحجرات : 7 ] ، وقوله : { ذَلِكُمْ فِسْق } [ المائدة : 3 ] ، وقوله : { فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ } [ البقرة : 282 ] . فالجواب : أنا لم نَدَّع أن الفسقَ لم يرد في الكفر بل قلنا : إِنه فيه حقيقة عرفيةٌ سابقةٌ إلى الأفْهام مِن غير قرينة وهو في غيره حقيقةٌ لغوية ، وذلك مثل قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح : " إنَّ النِّسَاءَ كَوَافِرٌ " قَالُوا : يا رسولَ اللهِ يكفرن بالله ؟ قال : " لا ، يَكْفُرْنَ العَشِيرَ " ( 1 ) ، فلم يكن هذا مانعاً مِن كون الكفر في ذلك الزمان اسماً عرفياً لما يخَالِفُ الإِسلامَ ، وفي الحديث من هذا القبيل شيء كثير . فإن قلتَ : فهذا يقتضي أن الفِسقَ يَشْمَلُ الكفرَ وسائرَ الكبائر ، وأن دخولها في هذه الآيةِ على السواء ( 2 ) ، فلم قلتَ : إن إطلاقه في ذلك الزمان على الكافر كان أسبقَ إلى الأفهام ؟
--> ( 1 ) أخرجه من حديث أبي سعيد الخدري ، البخاري ( 304 ) و ( 1462 ) ومسلم ( 79 ) والنسائي 3 / 187 ، والبغوي في " شرح السنة " ( 19 ) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر على النساء فقال : " يا معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار " فقلن : وبم يا رسول الله ؟ قال : " تكثرن اللعن ، وتكفرن العشير . . . " ولفظ المصنف لم أقف عليه وربما يكون رواه بالمعنى . ( 2 ) في ( ب ) : سواء .